الشيخ محمد علي الأنصاري

140

الموسوعة الفقهية الميسرة

والمسألة بعد محتاجة إلى التأمّل ، وإن كان ما قاله السرخسي بالنسبة إلى إظهار كلمة الكفر « 1 » ، وما قاله الطبرسي بالنسبة إلى سائر الموارد وعلى وجه المعاريض لا يخلو من قوّة . وربّما يؤيّد وقوعها في غير القسم الأوّل ما رواه الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان بن سعيد ، قال : « سمعت أبا عبداللَّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام - وكان واللَّه صادقاً كما سُمّي - يقول : يا سفيان ، عليك بالتقيّة فإنَّها سنّة إبراهيم الخليل عليه السلام ، وإنّ اللَّه قال لموسى وهارون : « اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى » « 2 » ، يقول اللَّه عزّ وجلّ : كنّياه وقولا له : " يا أبا مصعب " ، وإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد سفراً ورّى بغيره ، وقال : أمرني ربّي بمداراة الناس ، كما أمرني بأداء الفرائض ولقد أدّبه اللَّه عزّ وجلّ بالتقيّة ، فقال : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » « 3 » ، يا سفيان من استعمل التقيّة في دين اللَّه فقد تسنّم الذروة العليا من العزّ ، إنّ عزّ المؤمن في حفظ لسانه ، ومن لم يملك لسانه ندم . . . » « 4 » . مشروعيّة التقيّة للأئمّة عليهم السلام : لاشكّ في أنّ الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام كانوا يعملون بالتقيّة ويوصون شيعتهم بها ، والروايات بذلك متظافرة ، وهم أعرف بوظيفتهم من غيرهم . هذا بالنسبة إلى الواقع الخارجي وما تحقّق فعلًا . وأمّا تفسير هذا الأمر وتوجيهه فهو أمر يحتاج إلى دراسة تاريخيّة واجتماعيّة تخرجنا عن طريقتنا في الموسوعة ، ولكن بما أنّ الموضوع مهمّ جدّاً وهو يمسّ المذهب ، وهناك تهويلات عند هذا الموضوع بل المذهب ، فنرى من اللازم أن نتوقّف في هذا المجال مليّاً كي نرفع بعض الالتباسات الواقعة في الأذهان . لزوم التأمّل في تاريخ أهل البيت عليهم السلام : الذي يريد أن يبحث عن مثل هذا الموضوع المهمّ ، عليه أن يرجع إلى حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويلاحظ سيرته مع أهل بيته ، ثمّ سيرة الخلفاء ، والصحابة من بعده ، ليرى بوضوح ما جرى على أهل البيت عليهم السلام ، ثمّ ليحكم بإنصافٍ هل كان أهل البيت عليهم السلام يعملون بالتقيّة أم لا ؟ وإذا كانوا كذلك فلماذا كانوا يعملون بالتقيّة ؟ فنقول : كانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته عليهم السلام سيرة إعزاز وتكريم ، ولقد أسرّ إليهم من العلوم ما لم يسرّه إلى غيرهم ، ولذلك قال علي عليه السلام : « سلوني ، واللَّه لا تسألوني عن شيءٍ إلّاأخبرتكم ، وسلوني

--> ( 1 ) ولعلّه يشهد لذلك عدم صدور مثل هذه التقيّة من‌النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام . ( 2 ) طه : 43 و 44 . ( 3 ) فصّلت : 34 - 35 . ( 4 ) معاني الأخبار : 385 - 386 .